تعتمد الخيال العلمي لمواجهة أزمات العالم رواية «إخوتنا غير المنتظرين» جديد أمين معلوف

في روايته الجديدة الصادرة حديثاً عن دار غراسيه الفرنسية (2020) بعنوان (إخوتنا غير المنتظرين) NOS FRERES INATTENDUS يفاجئ الكاتب اللبناني الفرنكوفوني أمين معلوف قراءه برواية تختلف كل الاختلاف عن رواياته السابقة بجوها وشخصياتها ووقائعها، حتى لتبدو كأنها تميل إلى النوع الخيالي العلمي ولكن ذي القاعدة الفلسفية
عنوان الرواية قد يبدو غريباً بعض الشيء، فيظن القارئ أن المقصود هنا بشر من كوكب آخر هم إخوة لم يتوقع أهل هذا العالم وجودهم. وفعلاً يكتشف القارئ أن هؤلاء البشر هم، كما يصفهم الراوي في الرواية، أشبه بجهة ثالثة مجهولة كلياً (ترانا، تسمعنا، تراقب كل حركة من حركاتنا)، ويضيف: (لم نعد قادرين على القيام بأي حركة من دون موافقة هذه الجهة، ولا نعرف أي شيء عنها، ولا من أين أتت، ولا كيف تعمل، ولا ما هي نياتها). لكن هذه الجهة هي التي تنقذ العالم من حرب نووية كانت على وشك الوقوع.
تدور وقائع الرواية التي شاءها معلوف في صيغة يوميات يدونها (البطل) الذي يدعى (ألك زندر) وهو في منتصف العمر، خلال شهر، وفي فترة غير محددة زمنياً لكنها راهنة (من 9 نوفمبر إلى 9 ديسمبر) في جزيرة متخيلة في المحيط الأطلسي اسمها (إنطاكيا) يعيش البطل المفترض ألك زندر، وهو رسام شرائط مصورة وكاريكاتيري في مجلات وصحف أنجلو ساكسونية. هذه الجزيرة كان قد اشتراها والد ألك الذي يحمل الجنسية الكندية، ظناً منه أنها أرض أسلافه، وأن جذوره العائلية تضرب فيها. لكن الموت يوافيه قبل أن يتمكن من العيش فيها فيحقق ابنه الرسام حلمه وينتقل للعيش فيها داخل عزلة شبه شاملة، يمارس خلالها عمله الاحترافي الذي يوفر له دخلاً ثابتاً، كرسام تلقى رسومه وشرائطه المصورة المنشورة في صحف ومجلات، رواجاً شعبياً كبيراً. وفي هذه الجزيرة تكون (الإنترنت) وسيلة اتصاله الوحيدة بالعالم.
في عزلته الهادئة يكتشف ألك زندر ان لديه جارة تقطن بالقرب منه تدعى إيف سان جيل، اشترت قطعة أرض في الجزيرة خارج ملكية ألك، وتعيش في بيتها، وقد أصدرت رواية بعنوان (لم يعد المستقبل يسكن على هذا العنوان) لقيت نجاحاً وجلبت لها شهرة. شخصية الروائية إيف معقدة، فهي غامضة قليلاً، جادة، لا تعرف المرح. وهي تمثل كما نعلم، رمز الجيل الخائب الذي فقد الروح المثالية والثقة والأمان بعد مواجهته كوارث العصر وانحطاط الأخلاق البشرية. تعيش الراوئية حالة من العجز عن الكتابة ومن جفاف المخيلة، مرفقة بما يسمى (كره البشر). وهذا ما يميز بين عزلتها وعزلة الرسام ألكسندر الذي انصرف إلى الإبداع الفني والتأمل في الوجود.
قد تكون من المرات النادرة يلجأ فيها أمين معلوف الى ما يشبه السرد الخيالي العلمي المشبع بشيء من التشويق، خالقاً جواً يجسد الأفكار التي تدور حول مشكلات العالم الراهن، المهدد من جهات عدة.
بينما كان ألكسندر منصرفاً إلى الرسم في بيته، ينقطع التيار الكهربائي فجأة وتتعطل كل وسائل الاتصال والتواصل الالكتروني، فيحل عليه خوف وقلق، ظناً منه أن الحرب النووية التي يجري الكلام حولها، قد وقعت لا سيما عقب القرار الذي أعلنته الإدارة الأمريكية من قبل، في سياق ردها على التفجير الإرهابي النووي الذي حصل قرب واشنطن. ويقضي القرار بقصف رؤوس نووية نصبها في القوقاز قائد عسكري سابق في الجيش الروسي، كان قد أعلن تبنيه التفجير الإرهابي قرب واشنطن، إلا أن الخوف والقلق سرعان ما يتبددان بعد خطاب الرئيس الأمريكي (هاورد ميلتون)، وبعد عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي، فيتبين له أن الكارثة النووية لم تقع، وأن من حال دون وقوعها ليس المسؤولين السياسيين في واشنطن، بل جهة ثالثة مجهولة تماماً (ترانا، تسمعنا، تراقب كل حركة من حركاتنا، تمنعنا من هذا وتسمح لنا بذلك، كما يحلو لها)، بحسب تعبير مورو، صديق ألك زندر، الذي يعمل في الفريق الاستشاري للرئاسة الأمريكية. هذه الجهة كما يتضح للقارئ، تسيطر على أي حركة في العالم لا تنال موافقتها، وهي لا يُعرف عنها شيء ولا عن الغايات التي تهدف اليها.
ولكن سرعان ما يكتشف ألك زندر سر هذه الجهة أو الجماعة، فإذا هي مجموعة بشرية غير موظفة في خدمة بلد أو قوة معروفة أو حزب، والهدف من تدخلها هو الحؤول دون حصول كارثة نووية، كانت على وشك الوقوع وتدمير العالم؛ جهة تحرص على استعادة دورها بصفتها مراقباً كونياً. والمفاجئ أنها تحمل اسماً غريباً هو (أصدقاء أمبيدوكليس)، (الفيلسوف الماقبل - سقراطي الشهير)، ويحمل كذلك أفرادها أسماء يونانية، مما يؤكد ارتباطها بأصول الحضارة الإغريقية، عطفاً على مناداتها بما يسمى (المعجزة الأثينية)، وهي كما هو معروف تاريخياً، تمثل الحقبة المجيدة، التي شهدت خلالها البشرية تطوراً مهماً في حقول علمية وفلسفية وفنية وأدبية، وكان وراء هذا التطور جمع من الفلاسفة والعلماء والأدباء. والطريف هنا، أن أسلاف هذه (المعجزة) والمتحدرين من سلالتها، قرروا، عندما لاحظوا أن شعلتها باشرت في الانطفاء، الحفاظ على قيم هذه الحضارة ومعطياتها ومفاهيمها، فكان عليهم أن يهجروا بلاد الإغريق حاملين معهم إرثهم الحضاري والعلمي. هنا يترسخ الطابع الخيالي العلمي في الرواية.
لعل ما يسعى اليه أمين معلوف في الرواية هو إبراز الانقسام الذي عرفته البشرية في مراحل التكون الحضاري إلى مجموعتين بشريتين: (مجموعة تعيش في النور، لكنها تحمل الظل، وأخرى تعيش في الظل، لكنها تحمل النور، وقد تقدمت كل مجموعة وفق طريقتها الخاصة). ويسرد الراوي كيف أن (أصدقاء أمبيدوكليس) تقدموا إلى الأمام متحاشين التورط في مشاكل العالم وخلافاته وأزماته. وهذا ما جعلهم يتقدمون في حقول العلم والمعرفة، محققين نوعاً من الذات الجماعية وبالغين السعادة التي طالما تحدثت عنها الفلسفة الإغريقية. وبدا واضحاً تحاشيهم العالم الراهن الغارق في مشكلاته المعقدة، وتجنبهم حالات الكراهية والتفرقة والأنانية واللاعدالة التي تحكمه، خوفاً من استخدام أبناء هذا العالم العلوم والمعارف التي تملكها جماعة (أصدقاء أمبيدوكليس) في حروبهم وأطماعهم. ولذلك أصروا أن يبقوا (إخوة غير متوقعين) كما يفيد عنوان الرواية، يظهرون عندما يتوجب ظهورهم، أو عندما تحين ساعة الظهور من أجل مساعدة العالم وتحقيق المصالحة.
تنم الرواية عن موقف طوباوي يعلنه أمين معلوف، حيال تخبط العالم في الشر والبؤس والكراهية والأنانية، حتى ليبدو أن روايته تنتمي الى الأدب الطوباوي (UTOPIQUE) الذي يقابله أدب نقيض له هو (أدب الديستوبيا) الرائج في العالم العربي اليوم. أدب طوباوي، يدعو إلى رفض العنف ومواجهة الحروب، وتخطي الانقسامات البشرية الإثنية والعرقية والدينية وسواها، وإلى إحلال القيم الحضارية والروحية والإنسانية محل المبادئ المادية القائمة على الاستغلال واحتكار الثروات وتزوير التاريخ والواقع في آن.
من يقرأ رواية أمين معلوف الجديدة على ضوء كتبه الفكرية الاخيرة التي صدرت تباعاً وهي: (الهويات القاتلة 1998م)، و(اختلال العالم2009م)، و(غرق الحضارات 2019م)، والتي حمّلها هواجسه ومخاوفه إزاء الأخطار الجمة التي تهدد العالم والبشرية، يكتشف أن صاحب (سمرقند) استعان بأفكار ومواقف وردت في هذه الكتب، التي تلتزم الدفاع عن الانسان، فرداً وجماعة.
يقول أمين معلوف، في حوار أجراه معه ملحق (لوريان ليتيرير) عن روايته ( إنها الرواية الأكثر تفاؤلاً بين رواياتي. إنها تسلك الطريق المعاكس للانحراف الحالي، وتبحث في الحقبات المجيدة في الماضي، لا سيما في المعجزة الإغريقية، عن ثقة جديدة بالبشرية. ولكن ليس كما هي البشرية اليوم، بل كما يمكنها أن تصبح، إذا أعادت الارتباط مع المثل التي صنعت عظمتها غابراً). ويقول عن الظروف التي أنهى فيه الرواية: (كنت كتبت الرواية واتفقت مع ناشري على إصدارها قبل ظهور وباء كورونا. ولكننا تساءلنا: هل ننشر الرواية هذه السنة أو السنة المقبلة؟ كان كتابي (غرق الحضارات) قد صدر في (2019م)، ومعروف عني أنني أفضل نشر كتاب كل عامين، لكنني أعدت قراءة مخطوطة هذه الرواية خلال فترة الحجر، ثم لسبب لا أستطيع تفسيره بوضوح، تبدّى لي أن المناخ الذي يرين على الرواية يوائم الحالة التي نعيشها. قررت آنذاك أن أصدر الرواية من غير تأخر، ومن دون أن أبدل شيئاً فيها)

إضافة تعليق