صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬مهمة‭ ‬صعبة ومظلومة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي

الأربعاء, April 1, 2026
كاتب المقالة: 

دخلت صناعة النشر إلى العالم العربي بعد نحو أربع مئة سنة من اختراع يوهان غوتنبرغ المطبعة عام 1442م. ومن ثم هناك فارق زمني كبير تأسست فيه قواعد المهنة في الغرب، وترسخت فيه العلاقة بين الناشر والمؤلف والقارئ، حيث أصبح كل منهم على معرفة بحقوقه. أما لدينا فلا توجد حتى الآن محددات واضحة لحقوق كل طرف. فالناشر هو شخص يدير عملية النشر بين المؤلف والموزع والمطبعة، والثلاثة كل منهم منفصل عن الآخر. وأنا بصفتي مسؤولًا في صناعة الكتاب أرى أن صناعة النشر في العالم العربي ضعيفة، وتتأرجح ما بين الصعود والهبوط لأسباب كثيرة.

كان هناك رواج في صناعة النشر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبخاصة في مصر. فمع إنشاء محمد علي مطبعة بولاق، وبعد البعثات التي أرسلت إلى أورُبا صار هناك صناعة قوية. وكان هناك ازدهار للصناعة طوال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضًا، فكنا نطبع من الكتاب الواحد خمسة آلاف نسخة أو سبعة آلاف، وكنا نطبع من كتب الأطفال عشرين ألف نسخة، لكننا الآن لا نطبع من كتب الأطفال سوى ألفي نسخة؛ وذلك لتكاليف الألوان، أما الكتاب العادي فيطبع في أفضل الحالات ألف نسخة، وهناك بعض دور النشر تطبع خمسين نسخة.

على الرغم من زيادة عدد المدارس والجامعات والسكان على مستوى الوطن العربي، فإن عدد المطبوع من الكتاب في تراجع. وكل الحجج التي تسوِّغ ذلك هي حجج ضعيفة، من قبيل أن الجيل الجديد يفضل الكتب الإلكترونية. وهذه حجة باطلة؛ لأن الإحصائيات تقول: إن عدد المطبوع من الكتاب الورقي في أورُبا وأميركا يزيد من ثمانية بالمئة إلى عشرة بالمئة، فرغم أنهم صناع التكنولوجيا الحديثة، فإنهم رسّخوا عادة القراءة منذ الصغر فقد ارتبطوا بالكتاب. الأمر لدينا على النقيض، فلا يوجد اهتمام بالقراءة. ومن ثم فأبرز التحديات اللي تواجهها صناعة النشر في الوطن العربي هي ضعف الاهتمام بالقراءة منذ الصغر.

طبعات وهمية

هناك مشكلة أخرى تتمثل في ارتفاع نسبة الأمية. فإذا كانت نسبة الأمية في بعض البلدان تصل إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين بالمئة، فهذا الرقم أيضًا يقلل من كمية المطبوع من الكتاب. المتعلمون أيضًا عازفون عن القراءة، فكثيرون يعتقدون أن القراءة تنتهي بتخرجهم من الجامعة. كل ذلك يؤثر في صناعة النشر ويجعل بعض الناشرين يطبعون خمسين نسخة، ويكتبون عليها الطبعة الأولى والطبعة الثانية. ولأنهم لا يملكون منافذ توزيع يرتفع سعر الكتاب؛ لأن الكمية المطبوعة محدودة. هناك أيضًا مشكلة أجهزة الرقابة، فهذا الكتاب مسموح به هنا وممنوع هناك. إضافة إلى مشكلة القراءة المتخصصة، بمعنى أن كل مثقف يقرأ حسب التوجه السياسي أو الفكري الخاص به.

هناك أيضًا ظاهرة تزوير الكتب أو الاعتداء على الملكية الفكرية. في البدء كان التزوير بطباعة نسخ ورقية، الآن هناك أيضًا التزوير الإلكتروني على شبكة الإنترنت. فكل من يقرأ كتابا ويعجبه يرفعه على موقع من فور خروجه من المطبعة. نحو تسعين بالمئة من كتب الناشرين، التي تلقى رواجًا، مقرصنة على شبكة الإنترنت. ورغم أن القانون يمنع ذلك، فإن تنفيذ القانون ليس بالمستوى المطلوب. فضلًا عن زيادة معدلات الضرائب على الكتب، فبعض البلدان العربية تفرض ضريبة القيمة المضافة على الكتاب، وتصل بعض بلدان الخليج إلى 15 بالمئة، وفي بعض الدول 5 بالمئة. هؤلاء يرون أن النشر نشاط تجاري مثله مثل السيارات أو العقارات.

مكتبات عامة

أما أخطر نقطة -لأنها من الأسباب الرئيسة في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة- فهي المكتبات العامة، فعلى الدولة أن توفر للمواطن مكتبة عامة في كل حي، بحيث يدفع الراغب في القراءة رسم نشاط بسيط، بينما تقوم الجهة الرسمية بتحمل باقي الميزانية. فالناشر الأورُبي قبل أن يصدر الكتاب يرسل ملخصًا عنه إلى المكتبات؛ ليكون على معرفة بعدد النسخ التي سيطبعها. ومن المفترض في المجتمعات الأكثر رفاهية أن تكون هناك مكتبة عامة لكل عشرة آلاف نسمة، تضم كل منها عشرة آلاف عنوان، أما في البلدان الأقل رفاهية فإن كل خمسين ألف نسمة يكون لهم مكتبة عامة. ولو حسبنا عدد المكتبات العامة على مستوى الوطن العربي فلن نجدها تتناسب مطلقًا مع عدد السكان.

في السنوات الأخيرة كلما حدثت أزمة اقتصادية في أي دولة فإن الميزانيات المخصصة للكتب سواء في المكتبات المدرسية أو الجامعية أو المراكز الثقافية، تتراجع من فورها. هناك أمر آخر يسهم في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة، وهو أن الناشر يشارك في تأليف وطباعة وتوزيع الكتاب المدرسي، وهذا يوفر عوائد له، وبالتالي يستطيع أن يغامر وينشر لوجوه جديدة. إضافة إلى أن الأجهزة المنوط بها تنفيذ قوانين الملكية الفكرية ليس لديها دراية كاملة بأهمية حماية واحترام الملكية الفكرية. كما أن ثورات الربيع العربي أخرجت بلدانًا مثل ليبيا وسوريا واليمن من خريطة المعارض والتوزيع.

نشاط خدمي

لا تعترف الدول العربية بأن النشر صناعة، وتعدّه نشاطًا خدميًّا، على نقيض الدول المتقدمة التي تعدّه نشاطا صناعيًّا، أي أنه يأخذ كل الدعم، ويهتم به في عمليات التصدير. فمثلًا في وقت كورونا، خصصت مصر نحو مئة مليار لدعم الصناعات، لم يستفد منها الناشرون المصريون. لكن في بعض الدول، مثل الإمارات والمغرب، خصصوا مبلغًا للناشرين. فضلًا عن أن مفهوم التنمية الثقافية ليس موجودًا في معظم الدول العربية. حيث ترى الحكومات أن الأهم هو التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتنمية الثقافية بالنسبة لها هي آخر ما تهتم به، رغم أنه من المفترض أن يكون الاهتمام بالتنمية الثقافية في المقام الأول كي أخلق مواطنًا واعيًا يتقبل السياسات الموجودة.

مهنة النشر في العالم العربي مربحة إذا كان الناشر لديه أدواته، لكن في العموم لا يساوي العائد من النشر في العالم العربي لا الجهد ولا الوقت ولا المال الذي ينفق عليه؛ لأنه لا يبيع إلا قدرًا محدودًا. في العالم الغربي يُعَدّ الناشرون في مرتبة عالية من ناحية النمو الاقتصادي. يكفي أن نعرف أن تجارة الكتاب تأتي في أميركا بعد صناعة السلاح، وقبل تجارة المخدرات؛ لأن معدل مبيعات الكتب يصل إلى ثمانية وعشرين مليار دولار في العام. لكن في عالمنا العربي لو كان الناشر ملتزمًا، ولديه المهنية الكاملة ويحافظ على حقوق المؤلفين فبالكاد يغطي مصروفاته.

هناك قاعدة تقول: إن الجيل الأول أو المؤسس الأول يعيش على نحو مقبول من المهنة، أما الجيل الثاني فيصبح حاله أفضل؛ بفضل الخبرة والمعرفة، أما الجيل الثالث فيتمتع بفضل جهود الجيل الأول والثاني. أما دُور الناشر الجديدة عامةً، فبعضها تحقق أرباحًا بالفعل؛ إذ يأخذ أموالًا من المؤلفين على أساس أنه سيطبع ألفًا أو ألف وخمس مئة نسخة من العمل، ثم لا يطبع غير خمسين نسخة أو ستين نسخة. والناشر الجاد الذي يحافظ على اسمه وسمعته لا يفعل ذلك، ولا يذهب إلى كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبه بدعوى أنها أكثر مبيعًا، ولا يجاري بعض المؤلفين الراغبين في كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبهم.

 

الرقابة

بصفتي ناشرًا، فأنا ضد الرقابة بكل أشكالها وأنواعها، وأرى أن الرأي يرد عليه بالرأي، مهما كان، حتى لو كان في التابوهات الثلاثة المعروفة: الدين والجنس والسياسة. لكني مقتنع بضرورة أن تكون هناك رقابة ذاتية من الناشر والمؤلف. بمعنى أن نراعي تقاليد المجتمع من دون أن نجور على حق المؤلف في كتابة إبداعه. لا بد من نوع من التفاهم بين الناشر والمؤلف، ومراعاة القيم الموجودة على نحو لا يقتل حرية الإبداع، وألا يكون فيه صدام مع الرأي العام في المجتمع. بمعنى أن نصل إلى المجتمع بالشكل الذي أريد أن أصل إليه من دون صدام معه.

الحقيقة أن أدوات الرقابة في العالم العربي ما زالت موجودة على نحو تقليدي، وقد آن الأوان -مع ظهور التكنولوجيا بمستحدثاتها، وظهور النشر الإلكتروني والصوتي والتفاعلي- أن تتغير قواعد ومفاهيم الرقابة، وأن نتفق جميعًا، كُتّاب وناشرون، على عدم نشر كتب تدعو إلى الإرهاب والتطرف، أو إلى تفكيك المجتمع من الناحية الإباحية، أو التشكيك في القيم والعادات الأساسية للمجتمع. الرقابة بشكلها التقليدي بلا قواعد واضحة ولا محددة، فلا أحد -حتى إدارات الرقابة- تخبرنا لِمَ مُنِعَ هذا الكتاب، وكأن فكر الرقيب، الموظف في إدارة إعلام أو ثقافة، أعلى من فكر المؤلف أو الناشر.

علينا أن نعترف أن المقولة القديمة: إن «مصر تكتب، وبيروت تطبع، والعراق يقرأ» قد تغيرت على نحو كبير، وبخاصة أن نسبة ما كانت تنتجه مصر من كتب، حتى ستينيات القرن الماضي، تصل إلى نحو 65 بالمئة وهو ما ينتجه العالم العربي، وأن هذه النسبة تراجعت الآن لنحو النصف، نظرًا لدخول صناعات النشر في كثير من الدول العربية، وبخاصة منطقة الخليج؛ تلك التي بدأت حكوماتها تنتبه إلى أن الثقافة أمر أساسي. وحين يكون لديها كوادر في القوة الناعمة فإن ذلك يساعدها على الوجود على نحو حضاري أفضل، فضلًا عن العائد المادي الكبير للمواطن في منطقة الخليج، وهو ما يجعل الناشر يحرص على أن يكون موجودًا في معارض الخليج. وهناك ظاهرة أخرى الآن وهي أن دول الخليج أصبحت في مرحلة جذب لدور النشر، وبخاصة المصرية، التي بدأت توجد في دول مثل الإمارات والسعودية. هناك ما يقرب من مئة وتسعين ناشرًا مصريًّا فتحوا فروعًا لهم في المنطقة الحرة في مدينة الشارقة. فالخليج سوق جاذب والمملكة العربية السعودية تعد من أهم الأسواق في العالم العربي.

عوائد التأليف

في النهاية، إن تُغُلِّبَ على نصف هذه المعوّقات، فإن الكاتب سيعيش من عوائد كُتبه، مثلما كان حال عدد قليل من الكتاب مثل: محمد حسنين هيكل. وربما استفاد ورثة طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ من طباعة أعمال آبائهم أكثر منهم؛ لأن العائد كان لهم بسيطًا. فمثلًا طه حسين كان يأخذ مئة جنيه في الكتاب من دار المعارف. وعلى الرغم من أنه كان مبلغًا له قيمته في ذلك الوقت فإن العائد كان ضئيلًا؛ لأن الكميات المطبوعة كانت قليلة. فإذا أردنا أن تكون هناك عوائد للمؤلف من كتبه فلا بد أن يكون هناك توزيع جيد، وناشر يحافظ على حقوق المؤلف، ويطور من أدواته بحيث يأتي بعوائد للمؤلف سواء من النشر الورقي أو الإلكتروني أو الصوتي، حتى من وسائل الإعلام. فأن تقوم جريدة بنشر كتاب على صفحاتها بدعوى أنها تقوم بعمل دعاية للكتاب فهذا مرفوض، ولا بد أن تدفع الجريدة مقابلًا للناشر الذي يقتسم العائد مع المؤلف وفقًا لبنود العقد، كذلك الأمر مع الأحاديث الإذاعية والبرامج التلفزيونية.


 

المصدر: 
مجلة الفيصل
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

11 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.