معرض الدوحة للكتاب 2026: رهان على الثقافة بمواجهة الحرب

في زمنٍ تتسابق فيه الشاشات على خطف الانتباه، وتدفع المنصات الرقمية الإنسان إلى استهلاك العالم على عجل، تبدو معارض الكتب وكأنها تذكير هادئ بما يتسرّب من حياتنا من دون أن ننتبه. فهناك معرفة لا تولد في التمرير السريع، وجماليات لا تكتشف إلا في العزلة الحميمة بين القارئ وكتابه. وقد قررت العاصمة القطرية الدوحة، منذ العام 1972، أن تجعل الكتاب جزءاً من هويتها، قبل أن تصبح العواصم الثقافية موضة والاستثمار في الثقافة خطاباً رسمياً. وكان ذلك رهاناً مبكراً على المعنى، وها هو يؤتي أُكُله دورةً بعد دورة.
وقد رفعت الدوحة الستار يوم الخميس عن الدورة الخامسة والثلاثين من معرض الدوحة الدولي للكتاب، في حدث وصفه منظموه بأنه الأضخم في تاريخ هذه التظاهرة الثقافية التي تمتد جذورها إلى العام 1972. وانطلقت فعاليات المعرض، الذي تنظمه وزارة الثقافة، في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، ويتواصل حتى23 أيار/مايو الجاري، بمشاركة 520 دار نشر وجهة تمثل 37 دولة عربية وأجنبية، موزعة على 910 أجنحة، وتعرض ما يزيد على مليون و850 ألف كتاب تشمل 231 ألف عنوان. ولعل ما يمنح هذه التظاهرة عمقها الحقيقي أنها لم تكتف بعرض الكتب، بل راحت تبني حول الكتاب فضاء للحوار والنقاش والتلاقي الإنساني، وهو فضاء لا تستطيع أي خوارزمية أن تخلقه أو تعوّض عنه.
وتكتسب هذه الدورة دلالة خاصة بعد فترة إقليمية مثقلة بالتوتر والقلق، فيما تلقي الحرب على إيران بظلالها الثقيلة على المنطقة بأسرها. ففي وقت تبدو فيه الخرائط السياسية مفتوحة على احتمالات مضطربة، يأتي انعقاد معرض ثقافي بهذا الحجم وكأنه محاولة للدفاع عن الاستقرار؛ وعن فكرة أن الثقافة، مهما ضاقت بها الجغرافيا وأحاطت بها أصوات المدافع، تظل قادرة على العثور على نافذة للضوء.
وفي سياق التعريف بهذه الدورة، أكدت إدارة المعرض، أن النسخة الحالية هي الأكبر في تاريخ معارض الكتاب، مشيرة إلى أن المعرض يواصل التميز والابتكار عاماً بعد عام بفضل التطوير المستمر في البرامج والفعاليات.
وعلى صعيد البرامج الثقافية المصاحبة، يشهد المعرض تدشين 143 كتاباً جديداً، وتنظيم 46 جلسة حوارية، و69 ورشة عمل، إلى جانب 46 ندوة على المسرح الرئيسي. كما تتضمن الفعاليات تدشين أكثر من 100 إصدار جديد لكتّاب قطريين ومقيمين في شتى صنوف المعرفة، إلى جانب ما يزيد على 25 ندوة فكرية، ونحو 15 محاضرة متخصصة وحوالي 12 جلسة نقاشية تلقي الضوء على قضايا ثقافية ومجتمعية راهنة.
ولا يكتفي المعرض هذا العام بالاحتفاء بالكتاب منتَجاً، بل يمتد احتفاؤه ليشمل أصحابه الذين رحلوا وتركوا أثرهم. إذ يخصص المسرح الرئيسي ندوة تكريمية للكاتب القطري أحمد عبد الملك، الذي غادر عالمنا في يناير الماضي، تحت عنوان "ذاكرة الأدب ونصّه الحي" .
ويشهد المعرض جلسات "مرشد القراءة" لتوجيه الجمهور نحو الكتب التي يرغبون في اقتنائها، علاوة على ساحة "دوحة الطفل" التي تضم أنشطة تفاعلية للأطفال، بجانب مسرح تفاعلي خاص بهم.
وتشارك في الحدث مؤسسات ثقافية قطرية بارزة، إذ تقدم مكتبة قطر الوطنية جناحاً تفاعلياً يسلط الضوء على خدماتها وما تقدمه من تجربة معرفية. كما يضم جناح متاحف قطر مجموعة متنوعة من الإصدارات الجديدة والمنشورات والكتالوغات الفنية، تغطي موضوعات التاريخ وفن العمارة والآثار والتصميم والفن الإسلامي والحديث.
ومنذ الساعات الأولى للافتتاح، تدفقت العائلات والطلاب والكتّاب والناشرون إلى مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، غير أن المشهد لم يكن مجرد سوق واسعة للكتب، بل صورة ثقافية مكثفة عن المنطقة نفسها، قارئ يبحث عن يقين، وناشر يقاتل للبقاء، وكاتب يحاول أن يعثر على صوته وسط الضجيج الرقمي والحروب المتلاحقة.
ويحمل المعرض هذا العام طابعاً توسعياً واضحًا، سواء على مستوى المشاركة الدولية أو تنوع الفعاليات، إذ يشهد حضوراً لافتًا لمؤسسات ثقافية وسفارات عربية وأجنبية، إضافة إلى مشاركة دور نشر من الخليج وبلدان عربية وأوروبية وآسيوية، في مؤشر على استمرار التعافي النسبي لسوق الكتاب العربي بعد سنوات من الاضطراب التي أعقبت الجائحة والأزمات الاقتصادية الإقليمية.
وفي أروقة المعرض، تتجاور الإصدارات الفكرية والروايات والكتب الأكاديمية مع مساحات واسعة لكتب الأطفال والتقنيات التعليمية، فيما تحاول دور النشر العربية استعادة جمهور أنهكته التحولات الرقمية وارتفاع أسعار الكتب وتراجع معدلات القراءة الورقية في عدد من البلدان العربية.
وفي مستجد لافت، جاء ضيف شرف هذه الدورة مغايراً لما درج عليه المعرض منذ العام 2010؛ إذ لم يكن ضيف الشرف هذا العام دولة أجنبية كما جرت العادة، بل مشروع كتابي قطري هو كتاب "هذه قطر"، الذي دشّنه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني خلال حفل الافتتاح. وكانت قد تعاقبت على صفة ضيف الشرف منذ انطلاق هذا التقليد، دول عديدة، من بينها الولايات المتحدة وتركيا وإيران واليابان وبريطانيا وألمانيا وروسيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وكانت فلسطين آخر ضيوف الشرف في الدورة الرابعة والثلاثين.
ويعدّ المعرض من أعرق التظاهرات الثقافية في المنطقة؛ فقد انطلق العام 1972 تحت إشراف دار الكتب القطرية، وتحوّل من حدث يُقام كل عامين إلى فعالية سنوية منذ العام 2002. كما اعتمد المعرض تنظيم دورة ضيف الشرف منذ العام 2010، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانته منصةً ثقافية بارزة، تجمع الناشرين والكتّاب والقراء من العالم العربي وخارجه. وتقول الجهات المنظمة إن المعرض بات يمثل "رافدًا للحوار الثقافي والمعرفي" إلى جانب دوره التقليدي كسوق للكتاب.
ولعل قيمة هذه التظاهرات تكمن في شيء أعمق من الأرقام، في أنها تعلن كل عام، بمجرد انعقادها، أن الكلمة المطبوعة لم تهزم.

إضافة تعليق