معرض الرباط الدولي للكتاب يودع زواره: أرقام قياسية ونقاشات تتجاوز "رفوف" الكتب

أسدل الستار بالعاصمة المغربية الرباط على فعاليات الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، محققاً نجاحاً جماهيرياً لافتاً باستقطابه لأكثر من نصف مليون زائر على مدار عشرة أيام، وهو ما يكرس مكانة المدينة كـ "عاصمة عالمية للكتاب" لعام 2026. هذه الدورة، التي نُظمت تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، لم تكن مجرد منصة لعرض أحدث الإصدارات التي تجاوزت 135 ألف عنوان قدمها 891 عارضاً من 61 دولة، بل تحولت إلى فضاء هجين امتزج فيه الفعل الثقافي الرسمي بالنقاشات الحقوقية والسياسية الصاخبة التي امتدت أصداؤها إلى الفضاء الرقمي.
وبينما احتفى البرنامج الرسمي بفرنسا ضيف شرف وبشخصية الرحالة "ابن بطوطة" كرمز للانفتاح والسفر بين الثقافات، شهدت كواليس المعرض "شداً وجذباً" أعاد مصطلح "المنع" إلى الواجهة؛ حيث أثير جدل واسع حول منع المؤرخ المعطي منجب من ولوج المعرض، وسحب كتاب "زلزال الحوز.. حكاية مواطن غير مقيم" من رواق نقابة الصحافة، فضلاً عن السجال الذي رافق كتاب "الأمازيغ والمخزن" لعبد الرحيم حزل. هذه الوقائع، وإن لم يصدر بشأنها توضيحات رسمية كافية، فقد طرحت تساؤلات جوهرية حول سقف الحريات داخل الفضاءات الثقافية الكبرى، ومدى قدرة المعرض على استيعاب الأصوات النقدية والحساسيات الاجتماعية المرتبطة بتدبير ملفات وطنية كبرى كآثار الزلزال.
وعلى مستوى آخر، فرضت "الثقافة الجماهيرية" نفسها بقوة من خلال الحضور الكثيف للمؤثرين وصناع المحتوى، والإقبال القياسي على حفل توقيع الفنان الكوميدي حسن الفد، الذي فجر نقاشاً سوسيولوجياً حاداً باستعماله مصطلح "الهركاوي" لوصف بعض السلوكيات الاجتماعية، مما فتح الباب أمام انتقادات حول دور النخبة في "وصم" الفئات المهمشة بدلاً من تحليل الشروط الاقتصادية والتربوية المنتجة لتلك السلوكيات. ولم تتوقف حدة السجالات عند الشأن المحلي، بل امتدت لتشمل أزمات مهنية عربية تجسدت في الصراع القضائي والإعلامي بين الكاتبة المصرية نجاة علي و"دار المتوسط"، مما أعاد تسليط الضوء على هشاشة العلاقة بين الكاتب والناشر في العالم العربي.
ورغم هذه التجاذبات، وصيحات الزوار من ارتفاع أسعار الكتب، تظل حصيلة الدورة إيجابية في مجملها؛ إذ نجحت ببرمجتها التي تجاوزت 2300 نشاط في تقديم عرض ثقافي متنوع استجاب لتطلعات مختلف الفئات العمرية، خاصة الأطفال الذين تفاعلوا مع حوارية "ابن بطوطة والأمير الصغير". لتختتم الرباط عرسها الثقافي مؤكدة قدرتها على اجتراح حوار كوني يجمع بين عبق التاريخ المتمثل في الذاكرة المغربية، وبين تعقيدات الراهن الثقافي والرقمي، في انتظار محطات قادمة تعمق من إشعاع المملكة كجسر قاري للمعرفة والإبداع .

إضافة تعليق