من سيد حنكش إلى السيارة الصينية… حكايات الأنثروبولوجيا العربية

الأحد, November 1, 2026
كاتب المقالة: 

تبدو الأنثروبولوجيا اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصا مع اتساع وتعقيد الحياة اليومية، وظهور عوالم اجتماعية جديدة تستحق الدراسة والملاحظة. فالناس يبتكرون باستمرار طرقا مختلفة للعيش والتكيف مع التحولات المحيطة بهم، سواء في علاقتهم بالمدينة، أو العمل، أو الطعام، أو المواصلات، أو الدين. ويمكن لأشياء عادية، مثل انقطاع الكهرباء أو الانتظار في طابور الخبز، أو ركوب سيارة أجرة، أن تخبرنا الكثير عن طبيعة المجتمعات وتحولاتها. ولعل عالم سائقي سيارات الأجرة مثال لافت على ذلك، إذ بتنا أمام شخصيات جديدة من السائقين، قدموا من خلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة، بعدما دفعت الأوضاع الاقتصادية والفقر أعدادا كبيرة من أبناء الطبقة الوسطى إلى العمل «كشوفيريه»، بحثا عن مصدر للدخل. وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في دمشق هذه الأيام، حيث لم يعد مستغربا أن تلتقي بسائق كان يعمل سابقا في التجارة، أو التعليم، أو إحدى المهن الأخرى، قبل أن تدفعه الظروف إلى العمل خلف المقود.
وهكذا تتحول سيارة الأجرة إلى مساحة صغيرة يمكن من خلالها قراءة التحولات الطبقية والاجتماعية، التي شهدها المجتمع السوري، وما طرأ على مفهوم العمل والمكانة الاجتماعية وطرق كسب العيش. كما أن الحروب والهجرات الواسعة التي شهدتها المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة أنتجت تجارب اجتماعية جديدة، من حياة المخيمات إلى أسواق اللاجئين، ومن المدن المدمرة إلى الأحياء التي أعاد النازحون تشكيلها، وهي كلها عوالم تحتاج إلى باحثين يقتربون من تفاصيلها ويمنحونها ما تستحق من اهتمام.

وخلال العقود الأخيرة، صدرت كتب عديدة تناولت تاريخ الأنثروبولوجيا في العالم العربي، وحاولت فهم التحولات التي شهدها هذا الحقل المعرفي، وموقعه داخل الجامعات والمؤسسات البحثية. وفي هذا السياق، صدر كتاب جماعي بعنوان «الأنثروبولوجيا الاجتماعية في العالم العربي: التاريخ المتشظي لعلم شائك»، تحرير عبد الله العجمي ودانييلي كانتيني وإيرين مافي وعماد المليتي. ويتزامن صدور هذا الكتاب مع ظهور فرص وتحديات جديدة أمام الأنثروبولوجيا العربية، في ظل تغيرات الحياة اليومية العربية في العقدين الأخيرين، وما تفرضه من موضوعات وأسئلة مختلفة عن تلك التي انشغل بها الباحثون طويلا، خصوصا القبيلة والتدين والطقوس الدينية.
فالعديد من الموضوعات أصبحت جزءا من الحياة اليومية العربية، مثل صالونات التجميل والحلاقة، وما تكشفه من تحولات في مفهوم الجمال والجسد والذكورة والأنوثة، وعالم القمامة والمدينة، أو عالم الراب والمغنين الجدد والموسيقى التي ينتجها الشباب في الأحياء الشعبية والمدن الكبرى، وما تعبر عنه من تغيرات في الذوق واللغة والهوية والعلاقة بالسلطة والمجتمع. ولعل ما فعلته الأنثروبولوجية الهولندية كارين فان نيوكرك في كتابها «الرجولة مش بسهولة: معنى الرجولة عند المصريين»، يقدم مثالا جميلا على هذا النوع من الأبحاث. فقد اختارت الباحثة أن تتتبع سيرة سيد حنكش، وهو موسيقي مصري ينتمي إلى عائلة احترفت العزف في الأفراح والمناسبات، وعاش وعمل في شارع محمد علي في القاهرة، أحد أشهر الشوارع المرتبطة بتاريخ الموسيقى والفنانين الشعبيين في مصر. ومن خلال حكايته الشخصية، وعلاقته بعائلته وعمله والنساء والمجتمع المحيط به، حاولت الباحثة فهم التحولات التي طرأت على مفهوم الرجولة في المجتمع المصري، وما يرتبط بها من تصورات عن الشرف والمكانة الاجتماعية والقدرة على إعالة الأسرة. واللافت في هذه الدراسة أنها تجعل من سيرة رجل عادي، ومن أحاديثه وتجاربه اليومية، مدخلا لقراءة تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية أوسع شهدتها مصر خلال عقود طويلة.

وحتى السيارات التي تجوب شوارع المدن العربية، يمكن أن تتحول إلى موضوع أنثروبولوجي مهم، فانتشار السيارات الصينية خلال السنوات الأخيرة، مثلا، يفتح الباب أمام دراسة علاقتها بالطبقات الوسطى وحتى الفقيرة، وكيف أصبحت خيارات الشراء مرتبطة بتحولات القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، وتغير التصورات المتعلقة بالمكانة الاجتماعية. كما يمكن تتبع الطريقة التي تتشكل بها ثقافة جديدة حول هذه السيارات، من ورش الإصلاح إلى مجموعات التواصل الاجتماعي التي يتبادل أصحابها الخبرات والنصائح.
ولا تقل أهمية عن ذلك التحولات التي أحدثها النازحون واللاجئون في المدن العربية. فقد أدت موجات النزوح الواسعة خلال العقدين الأخيرين إلى تغيرات عميقة في التركيبة السكانية والعمرانية والاقتصادية لمدن كثيرة. ولم يقتصر أثر النازحين على زيادة أعداد السكان أو الضغط على الخدمات، وإنما امتد إلى إعادة تشكيل الأحياء والأسواق وأنماط السكن والعلاقات الاجتماعية. فقد حمل النازحون معهم عاداتهم الغذائية ومهنهم ولهجاتهم وطرائقهم في التجارة والعمل، وأسهموا في ظهور مطاعم وأسواق وورش ومقاه جديدة، وفي تغيير ملامح أحياء كاملة. ويمكن ملاحظة بعض هذه التحولات في مدن مثل بيروت وعمان، وكذلك داخل سوريا نفسها، حيث أعادت موجات النزوح الداخلي تشكيل الحياة الاجتماعية في مدن وبلدات عديدة. وهناك أيضا موضوعات أخرى لا تقل أهمية، مثل عالم عمال التوصيل وتطبيقات النقل، والبسطات والأسواق الشعبية، ومحال الهواتف المحمولة، ومقاهي الألعاب الإلكترونية، وصالات الرياضة وبناء الأجسام، وأسواق الملابس المستعملة، وأشكال الاستهلاك الجديدة، وطقوس الأعراس والحفلات والموسيقى المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فكل واحد من هذه العوالم يتيح الاقتراب من طبقات اجتماعية وتجارب إنسانية وتحولات ثقافية يصعب فهمها من خلال الدراسات السياسية والاقتصادية وحدها.

وبالعودة للكتابة، سأتوقف عند بحث على وجه الخصوص، يتقاطع مع ما أشرت إليه، وهو البحث الذي كتبه الأنثروبولوجي الفرنسي فرانك ميرمييه. وما يحسب لميرمييه أنه انشغل منذ عقود بدراسة المجتمعات الحضرية، وكان من الباحثين الذين تجاوزوا الاقتصار على دراسة المجتمعات الصغيرة والقبائل، التي استأثرت زمنا طويلا باهتمام الأنثروبولوجيين، ليركز على حياة الأسواق والمدن والفضاءات العامة. وقد عرف ميرمييه بأبحاثه الميدانية في اليمن، ولا سيما كتابه «شيخ الليل: أسواق صنعاء ومجتمعها»، وتناول فيه عالم الأسواق الصنعانية وعلاقات التجار والتنظيمات المحلية وأشكال السلطة داخل المدينة. ثم توسعت أبحاثه لتشمل بيروت وعددا من المدن العربية، واهتم بعالم النشر والكتاب والثقافة، كما في كتابه «الكتاب والمدينة: بيروت والنشر العربي». وتكمن أهمية هذه الأعمال في أنها تنظر إلى الأسواق والكتب والمقاهي والفضاءات العامة باعتبارها مداخل لفهم العلاقات الاجتماعية، وتمنحها مكانة أساسية في دراسة الحياة الحضرية. وفي بحثه الجديد، يقدم ميرمييه مراجعة واسعة للدراسات الأنثروبولوجية عن المدن العربية، بدءا من القاهرة وبيروت، مرورا بالمدن الفلسطينية والأردنية، وصولا إلى مدن الخليج والمغرب العربي، ويبدأ من ملاحظة مهمة تتعلق بتاريخ هذا العلم، إذ يشير إلى أن كثيرا من الدراسات الأنثروبولوجية عن المنطقة العربية ظلت طوال عقود منشغلة بثلاثة موضوعات رئيسية: القبيلة، والمرأة، والإسلام.

وقد رصدت ليلى أبو لغد هذا الاتجاه في مراجعتها الشهيرة للدراسات الأنثروبولوجية عن العالم العربي عام 1989، حين أشارت إلى المكانة الخاصة التي احتلها المغرب واليمن الشمالي في إنتاج النظرية الأنثروبولوجية. لكن ميرمييه يلاحظ أن هذا المشهد أخذ يتغير تدريجيا، مع انتقال عدد متزايد من الباحثين إلى دراسة المدن. ومع ذلك، فإن مجرد إجراء البحث داخل مدينة لا يعني بالضرورة أننا أمام أنثروبولوجيا حضرية. فقد يكون موضوع الدراسة التدين، أو القرابة، أو السياسة، أو الهجرة، بينما تظل المدينة مجرد مكان تجري فيه الملاحظة. ومن هنا يميز ميرمييه بين أنثروبولوجيا تمارس البحث في المدينة، وأخرى تجعل المدينة نفسها موضوعا للبحث، بما تحمله من علاقات بين السكان والمكان والسلطة والاقتصاد والحياة اليومية.
ومن المفاهيم التي يتوقف عندها مفهوم «ترييف المدينة»، الذي شاع في الدراسات الاجتماعية العربية، لوصف التحولات التي رافقت انتقال أعداد كبيرة من سكان الأرياف إلى المدن منذ منتصف القرن العشرين. ويستعيد هنا أعمال الباحثة جانيت أبو لغد عن القاهرة، وما تلاها من كتابات رأت أن المهاجرين الريفيين حملوا معهم عاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعية إلى الأحياء الحضرية. لكن ميرمييه يوضح أن هذا المفهوم لم يكن بريئا تماما، فقد ارتبط في كثير من الأحيان بنظرة سلبية إلى القادمين من الريف، وبافتراض وجود ثقافة مدينية أصيلة تتعرض للتراجع نتيجة الهجرة. وتتكرر هذه المسألة في دراسات القاهرة التي يستعرضها ميرمييه، لكن من زوايا أخرى. ففي الوقت الذي انشغلت فيه بعض الأبحاث بالمناطق الشعبية والهجرة الداخلية، اتجهت دراسات أحدث إلى عالم الاستهلاك والمراكز التجارية والطبقات الوسطى والعليا. ويشير هنا إلى أعمال الباحثة المصرية الراحلة منى أباظة، التي درست المراكز التجارية الجديدة في القاهرة، وكيف أصبحت فضاءات للاستهلاك والترفيه وإظهار الفوارق الطبقية، وخصوصا بين الشباب. كما يتوقف عند كتابها اللاحق عن الحياة داخل مبنى سكني في حي الدقي، حيث تتحول العلاقات اليومية بين السكان إلى مدخل لفهم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر.
تبدو المدينة هنا وهي تتشكل من فضاءات مختلفة، لكل منها علاقاته الاجتماعية وقواعده وأنماط استخدامه، وتظهر فيها الفوارق الطبقية والثقافية بأشكال يصعب اختزالها في الحديث عن التحضر والترييف.

وتزداد أهمية هذه المقارنة عندما ينتقل ميرمييه إلى الدراسات المتعلقة بالفضاءات العامة في بيروت، خاصة أبحاث منى حرب ولارا ديب عن ممارسات الترفيه لدى الشباب في الضاحية الجنوبية. فقد أظهرت هذه الدراسات كيف تتشكل أماكن الترفيه داخل بيئة اجتماعية وسياسية ودينية محددة، وكيف تتداخل المتعة والضوابط الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية في إنتاج فضاءات ترفيهية ذات معايير خاصة. وهو مثال يكشف أن الأنثروبولوجيا تستطيع دراسة التدين أيضا من خلال المطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه، وليس من خلال المساجد والطقوس وحدها.
وفي الخليج، تبدو المدينة في صورتها الرسمية فضاء للأبراج والمشاريع العقارية، لكنها تضم في الوقت نفسه عوالم اجتماعية أخرى، تتشكل في الشوارع والساحات والأحياء التي يعيش فيها المهاجرون. ولعل أهم ما يصل إليه بحث ميرمييه هو دعوته إلى النظر إلى المدينة باعتبارها مجتمعا متحركا، تتغير حدوده وعلاقاته باستمرار. وهذا ما يجعل دراسته مناسبة للتفكير في المدن العربية أنثربولوجياً بعد التحولات التي شهدتها خلال العقدين الأخيرين.
 

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

تعليقات

By Alashkalwlhan on
الكتاب رائع جدا حيث أن القارئ يستطيع من خلاله التخيل واكتساب معلومات مفيده

By منير بلهوان on
اريد شراء هذا الكتاب فما هي الإجراءات التي علي اتباعها؟

By abed khalaf on
من فضلك، اضغط زر سلة الشراء أسفل صورة الغلاف..

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.