وماذا بعد الحصار؟”… هدية محمود الكردي تكتب الوجع السوري بوصفه ذاكرةً للمقاومة والحياة

في عملها الصادر حديثاً عن دار الفكر، تقدم الكاتبة والباحثة السورية هدية محمود الكردي كتابها: (وماذا بعد الحصار؟)، بوصفه شهادة أدبية وإنسانية تتجاوز حدود التوثيق المباشر، لتغدو مرآةً لسنوات القمع الذي مارسه النظام البائد بحق الشعب السوري، بما حملته من ألم وصمود وتحولات نفسية واجتماعية عميقة.
الكتاب، الصادر في جزأين عن دار الفكر عام 2026، لا يكتفي بسرد الوقائع أو تسجيل تفاصيل الحصار الخانق الذي طال الغوطة الشرقية، بل يذهب إلى مساءلة معنى النجاة والكرامة وما تتركه الكوارث من أثر في الذاكرة الفردية والجمعية، مستنداً إلى تجربة معيشية ولغة وجدانية تحاول القبض على ما تعجز عنه الأرقام والصور العابرة.
الحصار بوصفه جرحاً إنسانياً مفتوحاً
يفتتح الجزء الأول، الواقع في نحو 520 صفحة، أبوابه على الحياة اليومية تحت الحصار، حيث يتحول الخوف والجوع والقصف إلى تفاصيل اعتيادية في حياة السوريين، فيما يستكمل الجزء الثاني، الممتد على قرابة 480 صفحة، رسم ملامح الصمود الإنساني وسط الخراب، عبر سؤال العنوان المفتوح: “وماذا بعد الحصار؟”.
وتوضح الكردي في مقدمة عملها أن الكتاب ليس روايةً للحصار بقدر ما هو محاولة للإصغاء إلى أصوات الناس الذين عاشوا المأساة، وخصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن، ممن واجهوا الموت اليومي وتمسكوا في الوقت ذاته بالأمل والحياة.
وتكتب في أحد نصوصها: “سأروي بعضاً من قصص شعب هبّ وانتفض ونادى: حرية، لكنه جوبه بالنار والحديد والرصاص”، في لغة تمزج بين الغضب والأسى والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المحنة.
أطفال الحصار… البراءة التي كبرت قبل أوانها
يمنح الكتاب مساحة واسعة لما تسميه الكاتبة “أطفال الحصار”، حيث ترصد التحولات القاسية التي أصابت الطفولة السورية تحت وطأة الحرب.
وتستعيد الكردي قصصاً موجعة، بينها حكاية الطفلة “سمر” التي مزقها القصف، إلى جانب الطفلين اللذين غيّرا اسميهما من “براءة وملهم” إلى “شرارة وعلقم”، في صورة تختصر كيف دفعت الحرب الأطفال إلى مغادرة براءتهم مبكراً.
كما يتحول خبز الغوطة والزيتون في نصوص الكتاب إلى رمز للصمود في مواجهة الجوع، بينما تكشف نصوص أخرى مثل “أنا المديون” عن الانكسار الإنساني لمعيلٍ يعجز عن تأمين الطعام لأسرته أو الدواء لوالدته.
المرأة السورية… حارسة الحياة وسط الركام
في مقابل مشاهد الفقد، تضيء الكاتبة صورة المرأة السورية بوصفها مركز الثبات داخل العائلة والمجتمع، حيث تظهر الأم والزوجة والابنة باعتبارهن حارسات للحياة اليومية رغم الخراب.
وتتجلى قيم التكافل الاجتماعي في مواقف إنسانية عديدة، منها إصرار عروس على زيارة أهل خطيبها الشهيد برفقة زوجها الحالي، في مشهد يختصر معنى الوفاء والسمو الإنساني.
قراءة فكرية لما بعد الكارثة
على المستوى الفكري، يتجاوز الكتاب التوثيق إلى محاولة فهم التحولات التي تصيب المجتمعات الخارجة من الأزمات الكبرى، وكيف تعيد المحن تشكيل الهوية والوعي ومسار المستقبل.
كما يوجه الكتاب نقداً واضحاً لسلطة النظام البائد المسؤولة عن الدمار، فيما تطلق الكردي دعوات متكررة إلى استعادة دور الإنسان والمعرفة في إعادة بناء المجتمع.
وترتبط التجربة السورية في الجزء الثاني من الكتاب بالقضية الفلسطينية وصولاً إلى غزة، في تأكيد على وحدة الألم الإنساني.
مشروع توثيقي يحفظ الذاكرة السورية
يرى الباحث وحيد تاجا، أن أهمية هذا العمل تكمن في كونه خزانة ذاكرة تحفظ للأجيال القادمة تفاصيل إنسانية لم تنقلها نشرات الأخبار.
وقال تاجا في تصريح لـ سانا الثقافية: إن الكردي استطاعت أن تحول الوجع الشخصي إلى قضية إنسانية عامة، عبر لغة أدبية تمزج بين الحزن العميق والأمل الصلب، مضيفاً: إن الكتاب ليس مجرد سرد للألم، بل قصيدة حب للأرض ورسالة تؤكد أن الشعوب لا تموت ما دامت تمتلك الذاكرة والإرادة.
حضور أكاديمي وثقافي
تُعرف هدية محمود الكردي باهتمامها بقضايا الهوية الثقافية والأدب السوري الحديث، حيث قدمت دراسات وأبحاثاً تناولت الأدب النسوي والتحولات الفكرية والاجتماعية في سوريا والعالم العربي.
كما شاركت في ندوات ومؤتمرات ثقافية ناقشت دور المرأة في الإبداع العربي، وسعت من خلال كتاباتها إلى الربط بين المعرفة الأكاديمية والواقع الاجتماعي، انطلاقاً من رؤية تعتبر الثقافة أداةً لفهم الإنسان والدفاع عن ذاكرته وهويته.

إضافة تعليق