الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬توزيع‭ ‬عربية

الأحد, April 5, 2026
كاتب المقالة: 

في بداية الألفية الجديدة كنا نقول: إن الرقم الذهبي في الطباعة هو ألف نسخة، وأحيانًا ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف نسخة. اليوم مع تطور الماكينات الحديثة أصبح الرقم الذهبي هو مئتي نسخة، وهو ما رفع من تكلفة الطباعة. فمن المعروف أن طباعة أي كتاب تمر بمراحل مثل الجمع والتصحيح والتحرير والإخراج الفني والغلاف وغيرها، وتكاليف هذه المراحل توزع على كل النسخ إلى جانب سعر الورق. وكلما زاد عدد المطبوع قلّت تكاليف هذه المراحل، حتى تصبح مع الأرقام الكبيرة، مليون نسخة مثلًا، إلى صفر تكاليف. ولا يكون هناك سوى سعر الورق المستخدم فقط. لكن مع الماكينات الرقمية أصبح عدد المطبوع قليل، فارتفع سعر النسخ، فضلًا عن ارتفاع سعر الدولار في مختلف البلدان، وبالتالي ارتفاع أسعار الورق والأحبار وأجر العاملين في الطباعة ومكافآت المصممين والمحررين وغيرهم.

للأسف، لا يملك اتحاد الناشرين العرب، ولا حتى الاتحادات المحلية، سلطة فعلية على الناشر؛ إذ لا يوجد ما يُلزمه بطباعة عدد معين من النسخ. فالاتحاد ينظم أمورًا مهنية، لكنه لا يملك سلطة تحديد سعر معين للكتاب؛ فإذا رفع الناشر سعر الكتاب فذلك شأنه الخاص. ومن هنا يفضّل كثير من الناشرين العمل على الكتب الأكثر مبيعًا أو انتشارًا، وهذا حقهم؛ لأن النشر في النهاية مهنة واستثمار، وصاحب رأس المال يسعى إلى تحقيق الربح.

شركة توزيع

أكبر المشكلات التي تواجه الناشرين هي غياب شركة توزيع على مستوى البلدان العربية. المتاح هو شركات توزيع الصحف، وهي توزع الكتب الصغيرة والخفيفة، وبذلك فالكتاب هو السلعة الوحيدة التي من دون شركة توزيع، لهذا يتجه الجميع إلى معارض الكتب بوصفها حلًّا مؤقتًا، لكنه لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا أو كافيًا. وقد أخفقت الدول حتى الآن في حل مشكلة غياب شركة توزيع عربية؛ بسبب تعقيدات تختلف من بلد إلى آخر، مثل الرقابة، وتحويل الأموال، وسعر الصرف، وغيرها. أما محاولات إنشاء شركة توزيع على مستوى العالم العربي فقد بدأت منذ نحو عشر سنوات، بمبادرات خليجية، وبخاصة من أبوظبي، حيث جرى التواصل مع كبرى شركات التوزيع الألمانية، وأُنجزت دراسات، وعُقدت لقاءات لمسؤولي تلك الشركات في القاهرة والإمارات وغيرها، لكن المشروع لم يصل إلى نتيجة، وبقي الحلم مؤجّلًا بسبب تلك الصعوبات.

من هنا، يصبح من الضروري أن يتخذ وزراء الثقافة العرب قرارًا بإنشاء شركة توزيع للكتاب على مستوى العالم العربي، حتى تعمّ الثقافة ويصل الكتاب إلى الجميع، ويصبح سعره في متناول القارئ العادي؛ لأن زيادة عدد النسخ المطبوعة تؤدي، بطبيعة الحال، إلى انخفاض سعر النسخة الواحدة. وإلى أن يتحقق هذا المشروع، يمكن اقتراح حلول انتقالية. من بينها أن يتجه الناشرون إلى النشر المشترك؛ فالعالم العربي مقسّم، عمليًّا، إلى ثلاثة فضاءات: المشرق والمغرب والخليج. فلماذا لا يتعاون ناشر من المشرق مع آخر من المغرب وثالث من الخليج في طباعة الكتب؟ على هذا النحو يصل الكتاب الخليجي إلى المشرق، ويصل الكاتب المغربي إلى الخليج، ويزداد عدد النسخ المطبوعة من ألف إلى ثلاثة آلاف مثلًا.

وهناك فكرة أخرى لتجاوز عقبات التوزيع، تقوم على إنشاء مكاتب في المدن الكبرى مزوّدة بماكينات طباعة رقمية، تتبع شركة لها موقع إلكتروني تشارك فيه دور النشر بأعمالها. يختار القارئ الكتاب ويدفع ثمنه عبر الإنترنت، وتصله النسخة خلال ساعتين أو ثلاث ساعات من أقرب مكتب إليه.

وفي النهاية، يمكن القول: إن التحديات التي تواجه الناشرين كثيرة، من الرقابة والجمارك إلى ضريبة القيمة المضافة وغيرها؛ إذ يُتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة استهلاكية تُفرض عليها الرسوم والضرائب. ومع ذلك، لا تتعامل كل الدول بالطريقة نفسها مع الكتاب وصناعته؛ فهناك دول مثل المملكة العربية السعودية تُعدّ من أكبر أسواق الكتاب، وهناك دول تقدّم دعمًا مهمًّا للناشرين، كما في الإمارات، سواء للناشرين المحليين أو العرب والأجانب، عبر الجوائز والترجمة ودعم النشر.

المصدر: 
مجلة الفيصل
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

6 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.