الكاتب والناشر: علاقة تحتاج إلى عقد أخلاقي

الاثنين, May 11, 2026
كاتب المقالة: 

حين احترقت مكتبة منشورات «دار المتوسط» في بغداد تألمتُ جدا. ولما أدرجَ الناشر لـ»دار سرد» تفاصيل يومية في حينها متسائلا، ما إذا كان بالإمكان المواصلة ضمن ظرف الحد الأدنى من الأمان والخدمات في دمشق، شعرتُ بخوف خشية أن تتوقف هذه الدار، فقد كان الظرف قاسيا جدا. وكلّي أسى لما من شأنه أنْ أعاقَ ويعيق «دار الجديد» في بيروت عن مواصلة دربها، لما يمكن أن تضيفه لنا من مختارات أثبتت فرادتها، نوعيتها وأهميتها. والآن وما أصاب مكتب «دار الرافدين» في بيروت من خسائر مادية فادحة ومعنوية كبيرة حزنت صدقا. وأنا أبتهل من قلبي أن تتوقف الاعتداءات على جنوب لبنان، والحرب الإيرانية الأمريكية بالأساس، وتعوّض كل دور النشر وموظفيها ما أصابها من خسارات وتتمكن من المواصلة.
مَنْ نحن إن لم يكونوا وبأفضل حال؟! لا كاتب من دون دار نشر! نحن بحاجة لهم، والمعضلة الكبرى التي تمر بها أغلب الكاتبات، والكتّاب قبيل انتهاء المخطوطة هي اختيار دار نشر. من الضروري أن يُفتَح ملف النشر في العالم العربي من أجل خلق علاقة صحية، تحفظ الحقوق للطرفين، مع حد أدنى من الشفافية. آن الاوان لفتح الموضوع، من دون انفعال، أو اقتصاص وتبادل تهم وتوجيه إساءات وعرض الأسوأ من صور التواصل. هذا وجه لا يتسق مع مهمة الأدب والثقافة. السؤال الأهم والمدوّخ؛ ما الذي ينقصنا من أجل سنّ قوانين وسعي لحراك فاعل من أجل تغيير الحال، وهو لن أبالغ إن قلت دون المستوى بكثير، رغم نجاحات هنا وهناك. المخجل اننا نشهد شبيها يسود مجالات حياتنا كافة، حيث الفساد، سوء استخدام السلطة، الابتزاز بكل أشكاله ينخر مجتمعاتنا، حتى بدونا للعالم خِرافا لا تملك القرار في أصغر تفاصيل حياتها.

في ما يخص النشر هو ببساطة شديدة علاقة طرفين، (عموما علاقة الكاتب مباشرة ما بين الكاتب والناشر لدينا، أعني لا يتدخل فيها الوكيل الأدبي)، ومما لا شك فيه، لا أحد يرضى بخسارة طرف مقابل كسب الطرف الآخر. نعم، أحوالنا في الوطن العربي غير مستقرة سياسيا، متدنية اقتصاديا لأغلب الدول، كلفة إصدار الكتب في تزايد، ومن دون دعم الحكومات. اعتماد دور النشر على بيع كتبها في المعارض، لا على التوزيع «المركزي»، كما هو سائد في العالم، إشكالات الشحن والجمارك والإيجارات، إشكالات الوسيط كالمكتبات لأجل البيع، تحديات البيع عبر الإنترنت والبريد، القرصنة بسبب الفقر والمسافات، وعدم توفر تقنيات لدى غالبية الدور للحدّ منها، وضعف تطبيق القوانين ضد من يرتكبها، هذه كلها تحديات حقيقية للناشر من دون شك، ما يجعل عملية إصدار كتاب و»إنجاحه»، وإرضاء الطرفين، شيـئا نادرا تقريبا. كثيرا ما أعجب كيف لدار نشر أن تستمر في ظلّ ظرف كهذا بينما تظلّ أمينة لذاتها!

مشواري بدأ منذ ثلاثين عاما، لم أستلم عبره يوما مكافأة، ولا مردودا أو ما شابه من مستحقات لقاء جهدي في الكتابة والترجمة (يتكفّلها صندوق دعم الدنمارك)، وما زال البعض مدين لي بمكافآت لم تُسدّد، وهي في الأصل مدفوعة من قبل صناديق الدعم، وآمل ان تُرزَق هذه الدور وتسدّد دينها لي من دون ملاحقة).
مدخلي في التعامل مبني على أساس العلاقة الإنسانية، إن كان البعض يعتبره ضعفا أو سذاجة، أو مصدر استغلال، فالأمر متروك له. لن أكون شريكة في إفساد العالم بالقوة الفارغة والعته. عدا التقدير والاحترام والثقة (وأفترض متبادلة أولا ما بيننا)، فأنا لا أستطيع إلا أن أتعامل مع الناشر كجزء من كيان عائلي، أشتبك معه بظرفه الخاص، وأقدّر ما يعترضه وأفرح بكل إنجازاته وفوزه.
لذا حين يحدث إخلال بهذا الشرط، وإن لم يشعر الطرف المقابل من مكانه، بأسس ومبادئ وقيم التعامل الصحيح، فهذا يعني أن هناك خللا في الفهم والسلوك، وأكون أنا من اخترت الشخص الخطأ، بل وأحيانا السيئ. أستثني ناشرين قلّة مميزين، ومنهم المستقلون تحديدا، ولكني خبرتُ الأغلبية تضع قناع الثقافة حين يتطلّب الأمر، وتجيد لعب الدور بنصب احترافي مبهر. لربما تغيرت بعض الشيء صورة «الفنان الجائع» عالميا، كما يطلق عليه في الغرب، لكن ما زال هناك وجود للكاتب والفنان الصامت، الذي يتعفّف ويرفض تسليع فنه وأدبه، وهذا لا يعني بالضرورة التنازل عن حقه.
هناك أكثر من تجربة عيانية لشاعر أو مترجم، آثر تقديم جهوده الفذة إلكترونيا، ومجانا لرفضه القاطع، إن لم نقل المساومة، فهو رفض هوس التسليع الذي شمل أغلب جوانب حياتنا. ما يجري هو عملية إفراغ الروح من كل شيء حي، ويجب ان نتحرك ضده. أليس لذلك علاقة بحساسية الكاتب الشاعر المترجم الفنان، هل من الصعب فهم خوفه من فقدان هويته، عبر التفاوض والتسويف وتسعير ذاته (للمزح بيكاسو استثناءا!).

من المعيب أن يستغل الناشر تعالي الكاتب بخصوص المادة، أن يستغل صمته، ترفعه وخجله من المطالبة بحقه، هذا يسمى جشعا، إن لم يكن ابتزازا. من المعيب أن يعتبر إصداره لكتاب مْنّة، أو تفضّلا يُلزِم الكاتب بالتنازل عن حقه، من المعيب ألا يجيب الناشر على رسالة، أيا كانت. وهذه من الكبائر خارج وطننا العربي (ومبررات الانشغالات والسفر وone-man company غير مقبولة ما دام قد تولى المسؤولية). من المعيب أن يكذب، أن يصدر كتبا ”فضائية”، أو يغشّ في بضاعته، من المعيب أن يتنصّل من وعد، فهذه (والتعميم من المساوئ) نتركها لبائعي الخضرة الجوّالين. من المعيب ألا يقرأ هذا الناشر هذه السطور ولا يندى له جبين. هناك شيء ليس بالضرورة رومانسيا، ولكنه أكبر من كون الحقوق مادية، فالناشر ليس حسابات سوق وتجارة فقط، وإن كانت العملية استثمارا في منتوج. الناشر الأنيق داعم للفكر الحرّ الجريء والجديد والخيال المطلق، الذي يرتقي بالذائقة. إننا نتحدث عن ثقافة وأدب وفن وأخلاق، إننا في المجال الأسمى والأرقى من بين المجالات التي تشكل بمجملها حياتنا (أتخيل ترامب وأتباعه يقهقهون الآن بينما يقرأونني، لأن تأثيرهم كما يبدو يكبر ويكبر، وهذه هي الكارثة، المسألة لدى هذا الصنف من البشر هي الربح الذي يبرر كل الاستغلال والضرر في عالمنا اليوم).
أنا عضو في نقابة الكتاب الدنماركيين ورابطة المترجمين الدنماركيين. ما زلت استلم فاتورة طويلة عريضة لإحدى كتبي التي صدرت لي من سنوات طويلة، والأمر مضحك، لأن الفاتورة التي تصلني لا تتعدى بضع كرونات دنماركية، الدار صاحبة الكتاب ملزمة بدفعها. أرى أيضا بعيني بمرور السنوات السعي الذي يطمح من يتم ترشيحه وانتخابه لتحمّل مسؤولية تحقيق شروط أفضل وأفضل للمعيشة، فقط من أجل أن يستمر الكاتب والمترجم في عمله وضمان حقوقه (وهناك صناديق طوارئ أيضا). لأن الثقافة ببساطة مهدّدة في عموم العالم، على الأخص في ظلّ التطور التكنولوجي السريع والمخيف.
تحية لجهد الناشرين جميعا، للكاتبات والكتّاب، والنقابات والاتحادات والنوادي الأدبية، كل هؤلاء الأطراف هم شركاء تتضافر جهودهم من أجل إضافة معنى، قيمة ثقافية وأخلاقية وجمالية لما يقومون به.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.