النشر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي وغياب‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬كصناعة

الأحد, April 5, 2026

ليست صناعة النشر في الوطن العربي وحدها التي تفتقر إلى قاعدة بيانات ومعلومات موثقة عنها. هناك أيضًا متاحف ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية عربية تعاني المشكلةَ نفسها؛ غير أن صناعة النشر هي الأكثر بروزًا من ناحية غياب المعطيات الدقيقة حول أعداد الناشرين العرب، والمؤلفين والمطابع والمصممين، وكل من يعمل في هذه الصناعة. هذا الأمر أجبر العديد من الناشرين على تخفيض عدد الإصدارات السنوية، وبالتالي تخفيض عدد العاملين في النشر، أو الخروج مؤقتًا من الصناعة. كما أُلغِيَ أو أُجِّلَ كثير من معارض الكتب العربية التي كانت تُعد متنفسًا مهمًّا لتوزيع إصدارات الناشرين.

هذا ما يشير إليه محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، في تصديره لكتاب «النشر في الوطن العربي (2015- 2019م). وعلى الرغم من أن الدراسة صادرة في عام 2021م، فإنه لا شيء جوهري قد تغير في صناعة النشر العربي منذ ذلك الحين؛ إذ لا تزال ظاهرتا التزوير والقرصنة تُلحِقان بها أضرارًا جسيمة، فضلًا عن إشكالية الكتاب الورقي والرقمي والصوتي، وإشكالية تسويقه، مع تراجع دور المكتبات العامة والجامعية في المنطقة العربية.

الكتاب صناعة غائبة

يضعنا كتاب «النشر في الوطن العربي»، الذي أعده الباحث خالد عزب، أمام أولى التحديات التي تواجه صناعة الكتاب، وهي عدم الاعتراف بالكتاب كصناعة في ظل قوانين تتعامل معها بوصفها منتجًا ملموسًا؛ فهذا المنتج إما أن يكون (غذاءً، ملابس، أدوات مركبات) وغيرها من المنتجات الملموسة. وعلى الرغم من الكتاب مادة ملموسة -كما تشير الدراسة- فإن ما يسمى بخط إنتاج الكتاب (تحرير- تصحيح لغوي- طباعة- تسويق على شبكة الإنترنت) لا يلقى اعتدادًا. وقد شكل ذلك قصورًا في العقود الماضية عن فهم آليات الإنتاج المعرفي، وعن عدّ صناعة الكتاب صناعة ثقيلة ومركبة. ثقيلة؛ لكونها تتطلب فكرًا وعلمًا، وتحتاج لتجهيزات، ومركبة؛ لتباين الاختصاصات التي تسهم في هذه الصناعة.

عدم اعتراف الدول العربية بالكتاب كصناعة معقدة يؤدي إلى غياب أرقام واضحة لإسهام الكتاب في الدخل القومي العربي. فمثلًا، مصر تستحوذ على 30% إلى 40% من صناعة الكتاب العربي، تتداخل لديها صناعة الكتاب مع غيرها من مهن الطباعة والتغليف وغيرها من أدوات صناعة الكتاب. اللافت أن المسؤولين عن الجمارك في الدول العربية ينظرون إلى الأحبار والورق وغيرها من أدوات الإنتاج كسلع تجارية، وليست أدوات إنتاج لصناعة أساسية. ناهيك عن أن احتكار الدول لصناعة الكتاب لسنوات، أدى إلى ترسيخ فكرة في الذهنية العامة، وهي أن الكتاب منتج مدعوم من الدولة، وبالتالي هو ليس له قيمة مضافة للاقتصاد الوطني؛ مع أن مصر ولبنان وسوريا لديها صادرات من الكتب، فيما هناك دول ما زالت تتجه إلى هذا ببطء.

ترى الدراسة أن الأزمة الحقيقية في مدخلات صناعة الكتاب، تأتي من أن الدول العربية مستوردة لهذه المدخلات كافة، والإنتاج العربي من الورق والأحبار لا يغطي الاحتياجات. أضف إلى ذلك أن ماكينات الطباعة تستورد أيضًا. وإذا استبعدنا الطباعة من هذه المدخلات، نجد أن أبرز إشكاليات هذه الصناعة تبدأ بغياب «مدير النشر» الذي يحدد ويقرر سياسات النشر، ويختار العناوين ويناقش المؤلف، ويدخل تعديلات على الكتاب، ويقدر قدرة القارئ على تلقي الكتاب. هذا المدير غير موجود في معظم دور النشر العربية. إضافة لافتقاد هذه الدُّور لدَوْر المحرِّر اللغويّ أو الأدبيّ.

فالعملية التحريرية تهدف إلى فرض أطر تقنية تشمل جوانب العملية الإبداعية كافة. هذه الأسباب الرئيسية تكشف عن ضرورة إعادة هيكلة النشر لدى دور النشر العربية. يقول مؤلف الكتاب: إن الشكل المؤسسي يغيب عن 60 % من دور النشر، ويرجع خالد عزب هذا الواقع إلى ندرة الدورات التدريبية المتخصصة في صناعة النشر، وبالتالي عدم وجود دراسات أكاديمية واضحة تشرح وتوضح طبيعة هذه الصناعة.

ويذكر عزب أن اختيار موضوع كتاب هو فن في حد ذاته، لكن تبقى الإشكالية أن 40% فقط من دور النشر العربية تملك رؤية واضحة لبرامجها، والباقي يعتمد على ما يذهب به المؤلفون لهذه الدور. إن اتجاهات النشر هي إستراتيجية تساعد الناشر والمؤلف والقارئ الذي يتوجه لدار نشر بعينها لطلب ما تشتهر به من تخصصات، وهذا ما يقودنا إلى عقبة التسويق والتوزيع، وهو ما يوضح لنا غياب دراسات جدوى لصناعة النشر.

أحد أبرز عوائق النشر في الوطن العربي -كما يذكرها الكتاب- هي تكلفة إنتاج الكتاب في مراحله المختلفة، وهذا ما يؤثر إيجابًا في حالة كل من لبنان ومصر وسوريا على سبيل المثال. فالترجمة والتصحيح والتحرير والتدقيق أقل كلفة فيها من دول الخليج والمغرب العربي، وهو ما يساعد في انخفاض كلفة الكتاب نسبيًّا في هذه الدول. ثم إن هناك مشاكل فنية تتعلق بإخراج الكتاب وتصميم الأغلفة وتصميم الكتاب من الداخل، فعين القارئ تنجذب إلى الغلاف الجيد. وعملية تصميم الأغلفة ما زالت في حاجة إلى تدريب، فهناك 20 % من دور النشر العربية تختار ألوانًا غير مقبولة، بينما 25 % من دور النشر تجعل غلاف الكتاب مزدحمًا.

 

رعاية بلا إستراتيجية

كل هذا يطرح أسئلة حول مدى عناية الدول العربية بصناعة النشر؛ صناعة يمكن أن تساهم بنسبة معقولة في الدخل الوطني على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، التي أولت لصناعة النشر اهتمامات كبيرة. فقد أسست فرنسا المجلس الوطني للكتاب، وكذلك كندا أسست برنامج دعم النشر. ويبرز هنا سؤال عن دعم الشركات والبنوك لصناعة النشر العربية؛ إذ لا يزال هذا الأمر محدودًا، وذلك لأن الوعي بأهمية الثقافة ودورها الاقتصادي لا يزال محدودًا، لكن هناك تجارب تؤخذ في الحسبان على نحو ما قام به البنك الأهلي الأردني، من دعم نشر الأعمال الكاملة لأدباء الأردن، وفي مصر دعم بنك الإسكان والتعمير إصدار العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، ولا سيما في مجال التخطيط العمراني. لكن يظل هذا التشابك محدودًا، وفي حاجة إلى بناء سياسات موازية من الناشرين؛ لكون إعداد ملفات الدعم من الناشرين لا يزال يحتاج إلى تدريب كوادر للقيام بهذا الدور.

بات من المهم صياغة تعريف محدد لصناعة النشر العربية، مع إطار مرجعي وملحق بالتشريعات القانونية الخادمة لهذه الصناعة، وعدم حصر هذا القطاع في وزارات الثقافة العربية؛ إذ تتداخل معها وزارات الصناعة والتجارة والاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والرياضة، وكذلك من المنح بأشكالها المختلفة، فضلًا عن أن هذا يقتضي بلورة صناعة النشر لتتواكب مع المتغيرات المتسارعة عبر إقامة مركز إقليمي للتدريب.

وتلاحظ الدراسة أن عددًا من الدول العربية شهدت نموًّا ملحوظًا في عدد دور النشر، وبالتبعية في عدد الكتب الصادرة، ولا سيما في دول كانت صناعة النشر فيها محدودة، مثل: موريتانيا التي وصل عدد الناشرين فيها إلى 47 ناشرًا، والصومال 49 ناشرًا، والبحرين 128 ناشرًا، والأردن 140 ناشرًا، وتونس 150 ناشرًا. غير أن الدراسة تلفت الانتباه إلى غياب انعكاس حقيقي للنمو السكاني في الوطن العربي على عدد دور النشر وعدد الكتب المنشورة، كما تشير إلى أن الارتفاع الكبير في نسبة المتعلمين لم يقابله نمو موازٍ في حركة النشر؛ إذ تضاعف عدد المتعلمين منذ السبعينيات بما يقارب 500% مقارنة بتلك المدة، من دون أن تشهد حركة النشر الزيادة نفسها، وهو ما يكشف خللًا بنيويًّا في هذا القطاع. وتضيف الدراسة أن نمو حجم الاقتصادات العربية منذ السبعينيات إلى اليوم لم يُترجَم بدوره إلى توسّع متناسب في مجال النشر، وهو ما يُعزى إلى عدم عدّ النشر صناعةً مساهمة في الدخل القومي، فضلًا عن وجود اختلالات في منظومة التعليم العربية فيما يتصل بتشجيع القراءة، وغياب العمل بمفهوم «الحق الثقافي» في الوطن العربي، أي الحق في تلقي المعرفة.

وإذ كان المحتوى يمثل القلب النابض للكتاب، فإن إجراء أي مسح للمحتوى العربي، يكشف عن قصور وصعود في موضوعات محددة؛ إذ لا يوجد صياغة واضحة لطبيعة المحتوى المقدم وماهيته إلا عبر مؤسسات رسمية محددة بإطار عملها وتمويلها. ويلاحظ هنا غلبة الطابع الأدبي الإبداعي على مضمون النشر عند بعض دور النشر أو غلبة النشر الديني عند بعضها الآخر، ولهذا فإن التجديد في حركة النشر العربية لم يحدث فيها اختراق محدد وواضح إلا في حالات محدودة، على نحو ما حدث في مشروع عواصم الثقافة العربية الذي أطلقته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).

تراجع صناعة كتب الأطفال

لكن يبقى المحور الأهم في صناعة المحتوى هو الطفل، فطفل لا يقرأ كتبًا كُتبت له لن يقرأ كتبًا في المستقبل. وتشير الدراسة إلى تراجع صناعة كتب الأطفال عربيًّا بنسبة 35 % خلال السنوات الأخيرة، وبصورة متصاعدة، وهو ما أصبح يهدد صناعة كتب الطفل التي تعد ركيزة العديد من دور النشر العربية، ولا سيما في لبنان والأردن ومصر وسوريا. ويعود هذا التراجع إلى تفضيل الأطفال لألعاب الفيديو على شبكة الإنترنت والبرامج ثلاثية الأبعاد وأفلام الكارتون، فضلًا عن البرامج التفاعلية الجاذبة، وهي مجالات لا ترهق الأسرة ماديًّا، في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة كتاب الطفل، وذلك لحاجته للإخراج الجيد، والألوان الجاذبة، والرسومات المناسبة لكل فئة عمرية.

ويشهد الاتجاه العام للنشر منذ عام 2006م نموًّا متزايدًا نحو إصدار الرواية العربية، التي تبدو اليوم الحافز الأقوى لاستمرارية حركة النشر في بلاد عربية شتى. فالأجيال الجديدة التي اعتادت على الدردشة على شبكة الإنترنت، تعدّ الرواية عالمًا آخر من الحكايات يجذبهم، كما انتقل بعض المتفاعلين على شبكة الإنترنت إلى الكتاب الورقي، وهو ما دفع أجيالًا جديدةً إلى فضاء الكتب المطبوعة. وهذا ما حدث في مطبوعات «بلاتينيوم» في معرض الكتاب الدولي في الكويت، ومعرض الشارقة، ومعرض الرياض. وهذا الاتجاه نراه في مصر أيضًا في عدد من دور النشر التي اتجهت لهذا المنحى. ولكن يبقى السؤال الأصعب: هل لهذا النمط من مستقبل؟ يبدو أن هذا النوع من الأدب هو أدب وقتي يختفي كتابه مع الزمن، وهذا ما يذكرنا بظواهر أدبية صاحبت صعود نجيب محفوظ وأدبه، حيث اختفت هذه الظواهر وبقي أدب صاحب «أفراح القبة».

ومنذ أن نشأت الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية- وهي حاضنة الأدب والثقافة في المملكة- نضجت حركة هذه الأندية بعد عودة المبتعثين من الخارج، واحتراف بعض مهنة النقد الأدبي، وظهرت بالتوازي تيارات أدبية حديثة. فعلى صعيد النشر في المملكة، نجد أن هذه الأندية تولت نشر عدد من الإبداعات الأدبية وكتب النقد وغيرها. الأمر ذاته في البحرين التي شهدت عام 1969م تأسيس أهم نادٍ ثقافي هو «أسرة الأدباء والكتاب» الذي ضم قلة من صفوة أدباء البلاد، ومنهم قاسم حداد وعلي خليفة ومحمد جابر الأنصاري، وهو ما يعكس أهمية دور المجتمع المدني الذي يمكن الربط بين نموه ونمو حركة النشر والمعرفة بالتوازي.

وكل المؤشرات في دور النشر العربي تشير إلى تراجع القصة القصيرة والمسرحيات نشرًا أمام الرواية وأدب السيرة الذاتية. فيما نرى بدايات لازدهار كتالوجات الفنون، وذلك توازيًا مع إقامة معارض الفن التشكيلي التي لها مكانة مميزة في مصر والمغرب ولبنان. لكن في السنوات الأخيرة نجد تناميًا لنشر هذه الكتالوجات في المملكة العربية السعودية، ومن أمثالها «نايلا غاليري» و«غاليري الفن النقي» ودار صفية بن زقر، ومؤسسة «مسك الفنون». كما أن الإمارات العربية المتحدة قاطرة لهذا المجال، خصوصًا في دبي والشارقة وأبوظبي التي تنتج كتالوجات فنية باللغتين العربية والإنجليزية.

 

الكتاب الرقمي والورقي والتأليف الجماعي

ويحدد اتجاه العديد من الجامعات إلى اعتماد الكتاب الرقمي، وهو ما أودى بالكتاب الجامعي الورقي إلى المقبرة. أما فيما يتعلق بإصدارات العلوم الإنسانية عربيًّا، فيتجه إلى إصدار كتب يشارك فيها أكثر من كاتب، وهي تجربة بدأت في العديد من دُور النشر الدولية، حيث يكلف محرر ذو خبرة في تحرير الكتاب، ويستكتب العديد من الكتّاب، كل في موضوع متخصص فيه.

ومن أمثلة هذا النموذج ما أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت مترجمًا، مثل كتاب «المدينة في العالم الإسلامي» الذي صدر في مجلدين، وكتاب «الحضارة العربية في الأندلس»، كما ترجم المركز القومي للترجمة في القاهرة موسوعة الأدب العربي التي أصدرتها جامعة كامبريدج في ستة مجلدات، وشارك فيها كثير من الباحثين.

وتحضر الكويت على مستوى المحتوى بوصفها صاحبة أفضل مشاريع نشر المعرفة عربيًّا إلى الآن، فمشروعها الذي بدأ في الستينيات وما زال مستمرًّا، يُعَدُّ من حيث المضمون ممتازًا، وتقف «سلسلة عالم المعرفة» الآن كأفضل سلسلة عربية منتظمة الصدور، كما أن السلسلة من حيث الحفاظ على حقوق المؤلف واضحة وتؤديه بصورة جيدة، ومن حيث الانتشار ممتازة، فهي تطبع من كل عنوان 40 ألف نسخة. في المقابل نستطيع القول: إن دُور النشر الجامعية قد تكون هي أداة لدفع حركة النشر في أي بلد عربي، وذلك على غرار دار نشر جامعة الخرطوم التي تأسست عام 1967م، وآنذاك استكملت سريعًا مقوماتها من محررين وقراء ومدققين لغويين ومصممين، وألحق بها مطبعة بدعم من اليونسكو، وتوسعت الدار، فأسهمت في توفير الكتاب الجامعي، واستحدثت منافذَ لتوزيعه في مجتمعات الجامعة المختلفة، وأنتجت الكتاب الثقافي، وأنتجت الدار حتى عام 2017م أكثر من 600 عنوان لأبرز رموز التيارات الفكرية والإبداعية في السودان.

أما ما يتصل بأبرز معضلات النشر في المنطقة العربية فتبزغ إشكالية النشر باللغات الأجنبية، وما زالت الجامعة الأميركية في القاهرة أفضل من يقدم نشر بلغة أجنبية في الوطن العربي. وتتناثر هنا وهناك جهود نشر، لكن يمكن ملاحظة ظلال الحقبة الاستعمارية باقية في نوعية النشر بلغة أجنبية في كل بلد عربي. فنرى الغلبة للنشر باللغة الإنجليزية في الخليج العربي، في حين نشاهد الغلبة للغة الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وإن كنا نرى خليطًا من هذا وذاك في مصر، إلا أن النشر باللغة العربية يصل إلى ما نسبته 75 % من كل ما يصدر عربيًّا، بينما النشر باللغة الإنجليزية يمثل 13 %، والفرنسية 8 %، بينما 4% من حجم النشر يتم بلغات أخرى مثل: الإسبانية والإيطالية والروسية والألمانية.

ويبدو أن إحجام دور النشر العربية الخاصة عن الاهتمام بالنشر باللغات الأجنبية يحرمها فُرصًا لتصدير هذا الكتاب للعديد من مراكز الدراسات والجامعات المعنية بدراسات الشرق الأوسط، في حين مثلت هذه الدراسات ما نسبته 6% من حجم ما يصدر في فرنسا، و8% من حجم ما يصدر في بريطانيا، وهذا يعني أن لدينا سوقًا واعدة عربيًّا إنْ أُنتِجَ ونُشِرَ بهذه اللغات.

 

واقع الترجمة العربي

تُعَدُّ أرقام الكتب المترجمة في الوطن العربي أرقامًا نسبية، حتى تلك التي تقدمها لنا منظمة اليونسكو، ففي مصر يرصد فهرس ترجمة هذه المنظمة الدولية ترجمة 5399 كتابًا مترجمًا (1979-2019م)، بينما المركز القومي للترجمة في مصر نشر تلك السنوات بمفرده 3700 عنوان؛ إذا أضفنا إليها مشروع الألف كتاب الثاني، وما يصدره العديد من المؤسسات في مصر مثل: مكتبة الإسكندرية والهيئة المصرية العامة للاستعلامات والأهرام ومشروعات الترجمة الممولة من فرنسا في مصر، وما نشرته دُور النشر الخاصة، سنكتشف أن هذا الرقم فيه نقص، ويحتاج إلى تحليلات ومقارنات في الواقع.

كذلك الحال بالنسبة للكويت الذي يرصد مؤشر الترجمة في اليونسكو ترجمة 451 عنوانًا بها (1979-2019م). بينما لدينا سلسلة «إبداعات عالمية» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون، صدر عنها في المدة ذاتها فقط ما يقارب 400 عنوان. بينما بلغ ما نُشِرَ في بيروت مترجَمًا (2000-2009م) ما يقارب 3000 كتاب مترجم. وقد شهدت هذه الأرقام تصاعدًا لكن ليس بوتيرة كبيرة. وعلى الرغم من ذلك فإن واقع الترجمة في الوطن العربي دون المستوى المرجو، ودون المقارنة مع بعض الدول وليست المناطق ذات اللغة الواحدة كالمنطقة العربية. وعلى عكس ما يعتقد أن الدول هي التي تضطلع بالعبء الأكبر في المنطقة العربية في مجال الترجمة، فإن التحليلات تكشف أن دور النشر الخاصة تنشر 74 % من حجم الكتب المترجمة إلى العربية.

وتتركز الترجمة في المنطقة العربية بصورة أساسية في كل من القاهرة، دمشق، بيروت، الرياض، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، المغرب، الجزائر على التوالي، بينما تكون الكتب المترجمة في بقية المدن العربية محدودة، ففي دولة مثل المملكة العربية السعودية نجد أنه ترجم فيها 2167 كتابًا في المدة (1979-2019م)، مع وجود 40 جهة تعمل في الترجمة في كل أرجاء المملكة. وبدأت المملكة عددًا من البرامج الطموحة لنشر الأدب السعودي، فترجم مركز البحوث والتواصل المعرفي روايتين سعوديتين للأوزبكية، بالاشتراك مع «دار أوقيتوجي» الأوزبكية، هما: «ثمن الضحية» لحامد الدمنهوري، و«سقيفة الصفا» لحمزة بوقري. والتحول الكبير ستشهده السعودية مع إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة.

ولا يزال النشر في الوطن العربي بلغات أجنبية يراوح في مكانه، لكنه يأخذ مساحات متزايدة عامًا بعد عام؛ بسبب التعليم بلغات أجنبية في المدارس والجامعات العربية، حتى بدأنا نشاهد اللغة الإنجليزية تأخذ حيزًا في دول ظلت الفرنسية فيها سيدة الموقف، مثل الجزائر والمغرب. وتظل دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة على رأس دُور النشر العربية المعنية بالنشر بلغة غير العربية، ومعها بعض المراكز والمعاهد الأجنبية كالمعهد الفرنسي للآثار في القاهرة ودمشق. كما أن العديد من المؤسسات تنشر بلغات أجنبية كمكتبة الإسكندرية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، ومؤسسة متاحف قطر.

وتشير الدراسة إلى أن ثقافة الكتاب المسموع ما زالت محدودة عربيًّا، لكنها تلقى استجابة كبيرة، وهذا يعني أن حقلًا له جمهور آخذ في التنامي، وبخاصة مع مراعاة شريحة فاقدي البصر. فقد سعى مجموعة من الشباب العرب لإطلاق «الكتاب الصوتي للمكفوفين» وبلغ عدد المتفاعلين على «فيس بوك» 14366 متفاعلًا. وعلى الرغم من جهودهم الفردية القائمة على التطوع، فإن تعاملهم مع المكفوفين والمبصرين كشف عن توجهات مستمعي الكتاب المسموع. وهي نقطة حاسمة في مستقبل هذا النوع من الكتب؛ إذ بينت الدراسات أن توجه المستمعين العرب إلى أدب الخيال العلمي والرعب يحل في قائمة اهتمام هؤلاء، ثم تأتي الرواية بعد ذلك، ويظل الشعر سابقًا على كل هذه الأنواع عربيًّا من حيث جماهيرية الكتاب المسموع.

خلل التزويد المكتبي

أما المكتبات، فترصد الدراسة أن العلاقة بين المكتبات وحراك النشر في العديد من الدول العربية، تُزوِّد مباشرة هذه المكتبات عبر موازنات محددة، وطوال أيام العام من جديد النشر. لكن هذه السياسة فيها خلل كبير في المنطقة العربية؛ إذ لا يتبعها إلا عدد محدود من المؤسسات مثل مركز الإمارات للدراسات السياسية والإستراتيجية (أبوظبي)، والجامعة الأميركية في القاهرة، ومكتبة الملك فهد في الرياض، ومكتبة جامعة الكويت. هذا على سبيل التمثيل لا الحصر، في حين أن معظم المؤسسات العربية تنتظر معارض الكتب للتزويد، وأحيانًا لا تنفق على التزويد من النشر العربي إلا القليل، أو تُحجَب هذه الموازنات من دون أسباب محددة. على الجانب الآخر فإن مكتبات المدارس في معظم الدول العربية لا تتفاعل مع المناهج الدراسية، فضلًا عن أن تزويدها بالجديد من الكتب لا يتم وفقًا لقواعد وبيانات محددة، بل وصل الأمر في بعض الدول إلى إيقاف تزويد المكتبات نهائيًّا منذ عشر سنوات في بعض الدول، ومنذ خمس سنوات في دول أخرى.

وكان إطلاق الفهرس العربي الموحد حدثًا أسس لمرحلة جديدة في التعاون بين المكتبات العربية، وهو مشروع غير ربحي يهدف إلى تطوير البنية التحتية للمكتبات العربية؛ لتمكينها من التبادل الفعال للموارد المعلوماتية، وبخاصةٍ سجلات الفهرسة. إضافة لنشر المعرفة في المجتمعات العربية، وذلك عبر الحصر الآلي للإنتاج العربي المنشور الذي يحتوي وصفًا ببليوغرافيًّا كاملًا لمجموعات الكتب العربية المتاحة لدى المكتبات العربية على شكل قاعدة معلومات قياسية. هذا بدوره ينعكس على توفير في موازنات المكتبات العربية؛ إذ يتيح لها تبادل الفهرسة والتصنيف للكتب. فقد وفر 55 مليون ريال للمكتبات السعودية نتيجة لتكرار الفهرسة للكتاب الواحد، ورفع كفاءة أداء المكتبات، وزيادة الطلب على المنتج المعرفي العربي، حيث أطلق الفهرس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، ويضم حاليًّا 5000 مكتبة عربية، و2350000 تسجيل لجميع أشكال وأنواع أوعية المعلومات من كتب ودوريات.

وكان إطلاق تطبيق «أبجد» في عام 2012م في الأردن كمنصة للقراءة وتقديم الكتب أمرًا مثيرًا؛ إذ ازداد المتفاعلون معه من القراء العرب، حتى وصل عددهم إلى مليون متفاعل. ويضم التطبيق حاليًّا أكثر من 30 ألف كتاب عربي، وما يميزه أن القراء يرشحون الكتب ويقدمون مراجعات عنها، ويحتوي معلومات عن بعض المؤلفين. ورغم ذلك يظل النشر الرقمي العربي معضلة كبرى؛ إذ ليس لدينا إيداع وطني للكتاب الرقمي حتى الآن، وهو ما يهدد كثيرًا من حقوق الناشر وقبله المؤلف. لكن تأتي الأزمة الحقيقية من محدودية قدرات حراك النشر في استيعاب الإنتاج المعرفي العربي، وبالتالي يلجأ العديد من المؤلفين -وبخاصة الباحثين الشباب- إلى نشر أعمالهم بصورة رقمية على شبكة الإنترنت. وهذه الظاهرة آخذة في التزايد عامًا بعد عام، ودخلت فيها مجموعات الواتساب، مثل مجموعة المؤرخين العرب. إن متطلبات الاستيعاب كشفت عن قصور في حراك النشر، أو عدم قدرة دُور النشر في دول مثل: العراق، وموريتانيا، والسودان، واليمن… على استيعاب الإنتاج الفكري المتدفق في هذا البلد أو ذاك، وبصورة نسبية أقل بكثير في دول مثل: سوريا، ومصر، والسعودية، والجزائر، وليبيا، وتونس.

المصدر: 
مجلة الفيصل
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

14 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.